بقلم: مايسة عادل
مع كل موسم للثانوية العامة، تتجدد حالة من القلق والحيرة داخل كل بيت مصري، فلا يقتصر الأمر على الامتحانات أو تنسيق الجامعات، بل يمتد إلى سؤال أكبر يشغل أولياء الأمور والطلاب على حد سواء: هل نسير فعلًا في الطريق الصحيح نحو تعليم يصنع مستقبلًا أفضل؟
ورغم تعدد أنظمة التعليم بين الحكومي والخاص والدولي والياباني والفرنسي والبريطاني والأمريكي، فإن الشعور السائد لدى كثير من الأسر لا يزال هو غياب اليقين. فاختيار المدرسة أصبح في أحيان كثيرة استجابة لضغوط المجتمع أو تقليدًا للآخرين، أكثر منه قرارًا مبنيًا على قناعة حقيقية بجودة المنظومة التعليمية.

وفي المقابل، تحولت مؤسسات تعليمية عديدة إلى مشروعات استثمارية تحقق أرباحًا ضخمة، بينما يبقى الهدف الأساسي، وهو بناء الإنسان، بعيدًا عن الأولويات. فالطالب يقضي سنوات طويلة في دراسة مناهج مليئة بالمعلومات، لكنه يتخرج غالبًا دون امتلاك المهارات التي تؤهله للتعامل مع سوق العمل أو التفكير النقدي أو اتخاذ القرار.
ولهذا نجد آلاف الخريجين يلجأون بعد الجامعة إلى الدورات التدريبية والكورسات المتخصصة لتعلم مهارات كان من المفترض أن يكتسبوها داخل المؤسسات التعليمية. وهنا تظهر فجوة واضحة بين التعليم النظري ومتطلبات الحياة العملية.
ولا تقل قضية التربية أهمية عن التعليم، فبناء الشخصية والقيم والسلوك مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، ولا يمكن فصلها عن العملية التعليمية إذا أردنا إعداد جيل قادر على تحمل المسؤولية والمنافسة.
وتبقى الثانوية العامة أكبر التحديات التي تواجه الطلاب، بعدما أصبحت عامًا يحدد مصير الإنسان بالكامل، وربما تُختزل الرحلة التعليمية كلها في بضعة أيام من الامتحانات، وهو ما يخلق ضغوطًا نفسية هائلة ويجعل الامتحان غاية في حد ذاته، بدلًا من أن يكون وسيلة لقياس الفهم والقدرات.
إن تطوير التعليم لا يبدأ بتغيير المناهج فقط، بل بإعادة بناء فلسفة التعليم نفسها، بحيث تقوم على تنمية التفكير والإبداع والابتكار، واكتشاف مواهب الطلاب مبكرًا، وإتاحة فرص متعددة لاختيار المسارات التي تناسب قدراتهم وميولهم.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب حوارًا مجتمعيًا واسعًا يشارك فيه الخبراء والإعلام وأولياء الأمور والطلاب، لتوضيح احتياجات سوق العمل، والتعريف بالتخصصات الجديدة، وربط التعليم الجامعي والفني بالفرص الحقيقية للتوظيف.
وأصبح التدريب المستمر وإعادة التأهيل المهني جزءًا أساسيًا من منظومة التعليم الحديثة في العالم، إذ لم يعد تغيير المسار الوظيفي أمرًا استثنائيًا، بل أصبح فرصة متاحة أمام الجميع لاكتساب مهارات جديدة ومواكبة التطورات المتسارعة.
إن مستقبل مصر يبدأ من مدرسة قادرة على صناعة العقول، وجامعة تفتح آفاق الإبداع، ونظام تعليمي يمنح الطالب الثقة في نفسه، ويجعله شريكًا في بناء الوطن، لا مجرد حافظ للمعلومات أو باحث عن مجموع يؤهله لمقعد جامعي.







